يناير 16

سينما في السعودية

يروي الأمير طلال بن عبدالعزيز آل سعود في شهادته على العصر مع قناة الجزيرة أنه كان وهو صبي يافع يشرف على اختيار الأفلام السينمائية التي كان يعرضها أمام إخوته من الأمراء والأميرات، وأن والده الملك المؤسس كان يتواجد أحياناً، ولكنه كان يبدي عدم رضاه إذا مر مشهد يُقبّل البطل فيه حبيبته. وذكر المؤرخ البحريني الراحل «خالد البسام» في واحد من كتبه الجميلة عن تاريخ الخليج تغطية الصحافة البحرينية لحضور الملك عبدالعزيز حفل افتتاح أول صالة عرض سينمائية في البحرين حيث شاهد الضيف والوفد المرافق عرضاً لفيلم سينمائي.

من أكثر الصور إثارة للإعجاب -وهي موجودة في أرشيف أرامكو وقامت دارة الملك عبدالعزيز بنشرها في كتاب عن أول رحلة ملكية لأرامكو،- نرى صورة معبرة للملك عبدالعزيز وفي الصف الثالث من الوفد الذي حضر العرض يظهر ماجد بن خثيلة، وهو يشاهد مع الملك فيلماً سينمائياً عرضته أرامكو. ماجد بن خثيلة كان واحداً من أهم الشخصيات المؤثرة مع إخوان من طاع الله الذين انتهت قصتهم في صدامهم مع الملك عام 1929 في واقعة السبلة. فلاذ بالفرار ثم عفى عنه الملك عبدالعزيز وأصبح بعد ذلك واحداً من المقربين إليه. في الصورة يظهر ابن خثيلة بعصابته تعبيراً عن تمسكه بتعاليم «الإخوان» ووفائه لماضيه.

في الفيلم السعودي الأشهر والأحدث «بركة يقابل بركة» نجد معاني الحب، والأمانة، والانكسار، والرشوة والمسرح، والثقافة، وشح الفضاءات الثقافية التي تفرغ طاقات الشباب، والأمل، وخداع الجمهور، وضياع المعنى، والبساطة والفقر، والإيمان العميق بالله، والتفاوت بين الفقراء والأغنياء، وإدراك معنى الحياة، الانتماء، العلاقة بين الجنسين، الجفاف العاطفي، وكيف ينظر أبناء الخمسين إلى شباب اليوم مقارنة بماضيهم وبساطتهم، بر الوالدين، الإيمان، والصلاة، والطيبين الذين يقعون فريسة أحزانهم ويلجؤون في لحظات الحزن الكئيبة إلى الكحول. يتناول الفيلم قضايا أخرى مثل تحمُّل عذابات الفقر عبر بلسم الحب والفأل في مستقبل أكثر بهجة، وعن أحلام الشباب الضائعة، والتحول الكبير في مجتمع جدة بين السبعينيات والثمانينيات في القرن الماضي الذي كان يتسم بالانفتاح والمرح، ومقارنة بالآثار النفسية والاجتماعية و التدهور الثقافي والفني الذي تسببت به الصحوة الإسلامية والتمدد الحركي في العقود الأربعة الماضية، هي صورة شبه أمينة عن مجتمع جدة الحضري، وعن طبقتين: الغنية جدا المترفة التائهة، والفقيرة جداً.
الفيلم خطوة صغيرة في عالم السينما، ولكنها كبيرة المعنى للسعوديين الذين يتطلعون ويسعون إلى أن يؤكدوا للعالم أنهم لا يختلفون عن باقي المجتمعات البشرية. كل يوم تقريباً تضخ وسائل التواصل الاجتماعي كلمات ومقاطع فيديو لسعوديين من الإناث والذكور تعبر عن حنين إلى عهد البساطة والسماحة التي عرفناها في سبعينيات القرن الماضي وما قبلها، وكما عشتها أنا طفلاً في مدينة «محافظ» في وسط السعودية مثل «بريدة» التي كان صغارها في نهاية السبعينيات يرددون ما يسمعونه من آبائهم وأمهاتهم من سخرية بالسحنات الكئيبة للتدين الغالي، كنا صغاراً ونحن دون العاشرة نردد كلمات ساخرة نطلقها على من يمر بحارتنا من تلك الشريحة من المطاوعة الذين لم تمض سنوات عشر حتى كانوا قد تغلغلوا في كل مؤسسات التربية والتعليم، يروي «بركة يقابل بركة» ما كان وما صار في لقطات شفيفة تهيل الدمع من مآقي من عرفوا تلك الحقبة. الآن السعوديون بقيادتهم الشابة مصممون هم أيضاً على أن يكونوا مجتمعاً طبيعياً كسائر خلق الله، وهم أيضاً يقولون للعالم: «امنحونا فرصة، فنحن نتغير نحو الأفضل، ولكننا لن نكون أسرع من التاريخ».

الإثنين 16 يناير 2017

Permanent link to this article: http://www.thesaudi.com/think-tank/archives/13374

يناير 16

البناء شخصي

من مدونة الكاتب عبدالعزيز بن أحمد السويد

أتوقف أمام هذه العبارة في إعلانات بيع الفلل والوحدات السكنية، نجدها على لوحات منتشرة، فمع ذكر المساحة والموقع يُكتب بحروف أكبر وأحياناً باللون الأحمر «بناء شخصي»، والإشارة يُقصد بها أن الاهتمام بتفاصيل تشييد الوحدة السكنية تم من صاحبها وكأنها له شخصياً، وهي تشير بصورة غير مباشرة إلى أنه إذا لم يكن البناء شخصياً فهو تجاري، وكلمة «تجاري» مدموغة شعبياً «بتمشية الحال»، فيمكن في حالته السيئة أن يصاب بالتصدع والانهيار، أما في حالته المتوسطة فهو سيحتاج إلى صيانة مستمرة بعد فترة قصيرة من سكنه وربما تشييده.
طبعاً لا يمكن التأكد من أن الشخصي هو شخصي فعلاً، فهو كلام يُقال، وعبارة تكتب، والعلم عند الله تعالى.
وشاهدت مثل بعضكم العديد من المقاطع التي تصوّر سوء حالة وحدات سكنية اشتراها المواطن وهو لا يعلم خوافي ما فعل المقاول والمهندس المشرف إذا كان هناك مهندس لا «مندس» في هذه المهنة الشريفة، وأخيراً شاهدت مقطعاً، يبدو من مدينة جدة، عن عمارة سكنية أخرج الدفاع المدني ساكنيها خوفاً عليهم من انهيارها، وقال الشاب الذي صوّر المقطع إن البنايات في الحي التي ظهرت بسرعة، لا تختلف كثيراً عن تلك المدعمة بقوائم حديدية حتى لا تسقط، وهو مع أسرته «الله يستر عليهم» يسكن في واحدة منها، ثم تحدث عن الأمانة المفقودة، التي لم نجدها إلا على يافطات دوائر حكومية!
وفي حوار مع وزير الإسكان ماجد الحقيل في برنامج «مال ثينك تانك»، طرحت أسئلة حول هذا، فالحقوق هنا ضائعة، ولا يعرف المتضرر أين يذهب، وطريق المحاكم طويل، وأعتقد أن وزارة الإسكان بعد هذه المدة أصبحت معنية بأن تكون المرجعية الوحيدة للتأكد من صلاحية تشييد الوحدات السكنية، ومدى كفاءتها هندسياً في الأساسيات من خرسانة وتمديدات، بحيث تستقبل شكاوى المتضررين، وتُلزم المقاول أو صاحب المؤسسة بالإصلاح أو التعويض.
فما حدث ويحدث من إنشاءات مهترئة قصيرة العمر، إضافة إلى خطره على السلامة، هو أيضاً هدر وغمط للحقوق، وضياع مدخرات، وسقوط في هاوية الديون، وحتى الآن من غير الواضح مرجعية هذه الخلافات، ويفترض أن تبادر وزارة الإسكان بتولي ذلك والإعلان عنه.

Permanent link to this article: http://www.thesaudi.com/think-tank/archives/13373

يناير 15

عقوق القطاع الخاص

من مدونة الكاتب عبدالعزيز بن أحمد السويد

وأقصد به تحديداً القطاع الخاص العملاق، الشركات والمجموعات الضخمة الكبيرة، فمع تعدد القطاعات، التي تعمل فيها تجارة على وجه الخصوص، فهي ما شاء الله لا قوة إلا بالله، أول من يستفيد من البرامج الحكومية وقت الرخاء والفوائض المالية، بل إن بعضهم يكون على علم بالبرامج وربما شريكاً في دفعها إلى الظهور، ولأنه الجاهز من كل وجه يلهط القشطة قبل غيره ولا يصل إلى من هو أسفل منه في القطاع الخاص سوى ماء يشبه اللبن، من القروض إلى تسيد الساحة الاقتصادية بالاحتكار، يضاف إلى هذا أحياناً الاستثناء «المدلل» في مشاريع حكومية من حيث الأسعار وتوقيع العقود من دون طرح للمنافسة.
هذا القطاع الكبير هو أول من «تظهر مويته» عند حدوث ضائقة اقتصادية على رغم أنه الأقدر والأقوى على الصمود ومساعدة الدولة والتخفيف من الضغوط عليها. كما أن إسهامه في دعم المنشآت المتوسطة والصغيرة ضعيف، ومحصور في المعارف والأقرباء.
وهذا يفتح الباب على واقع القطاع الخاص، وخصوصاً مع تزايد استخدام المادة 77 في الاستغناء عن الموظفين أو التأخر في دفع حقوقهم، فهل هو شريك حقيقي يمكنه تحمل أعباء ومسؤوليات الشراكة في تولي إدارة دفة الاقتصاد الوطني، فالخصخصة المقبلة سيكون له النصيب الأوفر منها في المؤكد، وكلما كان ضخماً كانت القطعة المتوقعة له أكبر.
إن الواقع يقول إن هذا القطاع أناني ويبحث عن الربح وتعظيمه ويضع نقطة بعده، يرفض التنازل عن جزء منه لمصلحة عامة، وإذا قيل هذا هو الأمر الطبيعي في الشركات، نقول إذاً لا بد من التعامل معها بالمثل حين تقديم الكعكات والفرص والامتيازات، فماذا ستقدم هي في المقابل للوطن؟ وبخاصة أن القروض والتسهيلات وغيرها من حزم الدعم المنظور وغير المنظور هي من المال أو الموارد العامة.
وقد يغيب أمر على البعض وهو أن القطاع الخاص السعودي قاتل وتمنع ضد التوطين لسنوات طويلة، كان هو فيها في أفضل أحواله، كان المسؤولون في الدولة وقتها يكتفون بالتلميح غالباً والتصريح نادراً عن عدم استجابته، وبعودة تاريخية إلى الصحف وما نشر قبل السنوات الـ10 الماضية سنجد دلائل هذا التمنع حاضرة بـ«مانشيتات» عريضة بأسماء كبار التجار.

 

Permanent link to this article: http://www.thesaudi.com/think-tank/archives/13369

يناير 14

ماذا عن مصير اللصوص؟

من مدونة الكاتب عبدالعزيز بن أحمد السويد

قالت شرطة عسير إنها قبضت على عصابة مكونة من 14 فرداً بينهم امرأة تخصصوا في سرقة كبار السن أمام الصرافات الآلية. وبلغت الأموال المسروقة ثلاثة ملايين ريال! وفي الأخبار المنشورة تصريح للناطق الرسمي لشرطة عسير أشار فيه إلى أنه «خلال السنوات الماضية وردت بلاغات عدة من مواطنين كبار في السن يشتكون من تعرضهم لعمليات نصب واحتيال عند أجهزة الصرف الآلي».
وبينت الأخبار أن أفراد العصابة من الجنسية اليمنية اعترفوا بـ25 عملية سرقة في عسير ومناطق أخرى من المملكة. وتتلخص طريقة النصب في استبدال البطاقة المصرفية بأخرى بعد إيهام الضحية بأنهم يساعدونه.
والملاحظ أن لهذه العصابة «سنوات»، وهو ما يثير علامات استفهام عن سبب عدم القبض على أفرادها خلال «السنوات»، وقدرتهم على ممارسة السرقة في أكثر من منطقة.
وإذا نظرنا إلى واقع أجهزة الصراف من زاوية أكثر شمولاً سنجد أنه بدأ إنشاؤها باتفاق بين البنك وصاحب العقار من دون مراعاة لمناسبة الموقع وتجهيزه جيداً من الناحية الأمنية، إذ لا تتوافر في الكثير منها إضاءة مناسبة ولا حماية زجاجية لمستخدمها لحظة الاستخدام، أيضاً لا تتوافر حماية من الشمس والأمطار في غالبيتها وقد تكون في موقع منعزل يوفر فخاً مناسباً للحرامية. وما بين تأخر الشرطة في القبض على العصابات وضرورة تحسين تجهيزات مواقع الصرافات يبرز سؤال ملح دائماً يطرحه الجمهور، ما هو مصير اللصوص؟ ومع صمت هيئة التحقيق والادعاء التي تتولى تسلمهم من الشرطة والتحقيق معهم ثم إحالتهم للقضاء «إذا رأت ذلك» لا يعلم المجتمع عن النتائج؟ وهل تحقق ردع الجريمة؟ ومع تزايد جرائم السرقات بأنواعها المختلفة من سرقة سيارات وأجزائها وسطو مسلح أو غير مسلح مثل سرقة حقائب النساء أو سرقة منازل. كلها تستدعي وقفة حازمة والنظر في هل أن العقوبات الحالية مناسبة أم لا؟ ثم لماذا لا تظهر هيئة التحقيق والادعاء وتتفاعل مع المجتمع ليعلم عن إجراءاتها ومصير اللصوص؟
إن مهمة الأمن بقطاعاته المختلفة، خصوصاً من شرطة ودوريات أمنية هو منع الجريمة قبل وقوعها وفرض الهيبة، وترسيخ الشعور بالأمن، وهذا لا يتحقق إلا بتطوير هذه الأجهزة مع إصلاح شفافية مفتقدة من هيئة التحقيق والادعاء العام.

Permanent link to this article: http://www.thesaudi.com/think-tank/archives/13367

مشاركات سابقة «

» مشاركات الأحدث